علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي
157
شرح جمل الزجاجي
قيل : ألم يجز سيبويه رحمه اللّه : " سرت الليل " ، تريد : ليل ليلتك ، والنهار ، تريد نهار نهارك ، فهلا أجزتم مذ الليل ومذ النهار ، على هذا المعنى ؟ فالجواب : إنّ ذلك لا يتصوّر و " مذ " توجب التصرف لما تدخل عليه لأنّها ترفعه أو تجره ، ولما كان الزمان يقع بعدها لذلك لم يدخل العرب واحدة منهما على الصباح والمساء إلّا قليلا ، لأنّه في الأصل اسم في موضع المصدر بمنزلة العطاء ، فالأصل : أمسى إمساء وأصبح إصباحا ، ثم وضع الصباح والمساء في موضع المصدر ، فلمّا استعملا في الزمان ، ولم يكن الأصل فيهما ذلك ، لم يجز أن تجرهما " مذ " و " منذ " ، ولا أن يرتفعا بعدهما . ومن راعى أنّها قد كانت تكون في الزمان أدخلهما في جملة الأزمنة ، فجرهما ب " مذ " و " منذ " ورفعهما . وإن وقع ما ليس بزمان بعدهما يؤوّل ، فإن قلت : " ما رأيته مذ زيد قائم ومذ الحجّاج أمير " ، كان الزمان محذوفا والجملة مضافة له . وأسماء الزمان تعلّق عما تخفضه باتفاق ، ومن غيرها ولا يتعلق خافض سوى ما ذكر . وإذا قلت : ما رأيته مذ أنّ اللّه خلقني ، فالزمان عند الفارسيّ محذوف لأنّ " أنّ " ليست زمانا . ومن الناس من لم يحذف مضافا ، وجعل " أنّ " مصدرا يراد به الزمان بمنزلة : " خفوق النجم " و " مقدم الحاجّ " . والقول الأول أحبّ إليّ لأنّهم لا يقولون : " مذ الصباح " ، إلّا قليلا ، فالأحرى أن لا يجيزوا بها " أنّ " التي تتقدر بالمصدر ثم يكون ذلك المصدر زمانا . * * * وإذا قلت : " ما رأيته مذ يومان " ، فالناس مختلفون في الرفع لما بعد " مذ " . فمنهم من ذهب إلى أنّه ارتفع بفعل مضمر وهو الكسائي . وذلك باطل لما تقدّم في أول الباب . وأيضا فإنّهم يقولون : " ما رأيته مذ أن اللّه خلقني " ، والجملة لا تكون فاعلة ، وكذلك قولهم : " ما رأيته مذ زيد قائم " ، فهذا المذهب فاسد . ومنهم من قال : إنّه ارتفع على الابتداء ، و " مذ " خبر مقدّم ظرف ، والتقدير : بيني وبين لقائه يومان . وهو أبو القاسم . وزعم الفارسي وأبو بكر أنه خبر مبتدأ وأنّ التقدير : مدّة ذلك يومان ، وهذا أولى ، لأنّه يطرد ولا ينكسر أصلا ، ومذهب أبي القاسم ينكسر ، ألا ترى أنّه لا يسوغ في " ما رأيته مذ يوم الجمعة " هذا التقدير لأنّك إن قلت : " بيني وبين لقائه يوم الجمعة " كنت كاذبا ، لأنّ